المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان ومعنى قوله تعالى إنى متوفيك


أم خديجة و بلال
09-03-2018, 12:08 PM
منقول
قال العلامة المفسر الإمام محمد الأمين الشنقيطى فى كتابه الرائع أضواء البيان فى تفسير القرآن بالقرآن
قوله تعالى

قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } .
التحقيق أن الضمير في قوله : وإنه راجع إلى عيسى لا إلى القرآن ، ولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ومعنى قوله : { لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَة } على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم ، والسنة المتواترة ، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان ، حيا علم للساعة أي علامة لقرب مجيئها لأنه من أشراطها الدالة على قربها .
وإطلاق علم الساعة على نفس عيسى ، جار على أمرين ، كلاهما أسلوب عربي معروف .
أحدهما : أن نزول عيسى المذكور ، لما كان علامة لقربها ، كانت تلك العلامة ، سبباً لعلم قربها ، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب .
وإطلاق المسبب وإرادة السببن أسلوب عربي معروف في القرآن ، وفي كلام العرب .
ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى : { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً } [ غافر : 13 ] .
فالرزق مسبب عن المطر والمطر سببه ، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب .
ومعلوم أن البلاغيين ، ومن وافقهم ، يزعمون أن مثل ذلك ، من نوع ما يسمونه المجاز المرسل ، وأن الملابسة بين السبب والمسبب من علاقات المجاز المرسل عندهم .
والثاني من الأمرين أن غاية ما في ذلك ، أن الكلام على حذف مضاف ، والتقدير ، وإنه لذو علم للساعة ، أي وإنه لصاحب إعلام الناس ، بقرب مجيئها ، لكونه علامة لذلك ، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، كثير في القرآن ، وفي كلام العرب ، وإليه أشار في الخلاصة بقوله :
وما يلي المضاف يأت خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا
وهذا الأخير أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت بالمصدر كقولك : زيد كرم وعمرو عدل أي ذو كرم وذو عدل كما قال تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } [ الطلاق : 2 ] ، وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله :
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
أما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح ، ففي قوله تعالى في سورة النساء : { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [ النساء : 159 ] أي ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه ، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب .
ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض .
فإن قيل قد ذهبت جماعة من المفسرين ، من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الضمير في قوله : قبل موته راجع إلى الكتابي ، أي إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت الكتابي .
فالجواب أن يكون الضمير راجعاً إلى عيسى ، يجب المصير إليه ، دون القول الآخر ، لأنه أرجح منه من أربعة أوجه :
الأول : أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه ، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض .
والقول الآخر بخلاف ذلك .

وإيضاح هذا أن الله تعالى قال : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } ثم قال تعالى : { وَمَا قَتَلُوهُ } أي عيسى ، { وَمَا صَلَبُوهُ } أي عيسى { ولكن شُبِّهَ لَهُمْ } أي عيسى { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ } أي عيسى { لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ } أي عيسى { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } [ النساء : 157 ] أي عيسى ، { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } [ النساء : 157 ] أي عيسى { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 158 ] أي عيسى { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } أي عيسى { قَبْلَ مَوْتِهِ } أي عيسى { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } [ النساء : 159 ] أي يكون هو ، أي عيسى عليهم شهيداً .
فهذا السياق القرآني الذي ترى ، ظاهر ظهوراً لا ينبغي العدول عنه ، في أن الضمير في قوله قبل موته ، راجع إلى عيسى .
الوجه الثاني : من مرجحات هذا القول ، أنه على هذا القول الصحيح ، فمفسر الضمير ، ملفوظ مصرح به ، في قوله تعالى : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } [ النساء : 157 ] .
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكوراً في الآية أصلاً ، بل هو مقدر تقديره : ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته ، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر .
ومما لا شك فيه ، أن ما لا يحتاج إلى تقدير ، أرجح وأولى ، مما يحتاج إلى تقدير .
الوجه الثالث : من مرجحات هذا القول الصحيح ، أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى حي الآن ، وأنه سينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً .
ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر .
قال ابن كثير في تفسيره ، بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة من المفسرين ما نصه :
وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى ا ه .
وقوله بالدليل القاطع يعني السنة المتواترة ، لأنها قطعية وهو صادق في ذلك .
وقال ابن كثير ، في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه :
وقد تواترت الأحاديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، « أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمَاماً عَادِلاً وَحَكماً مُقْسِطاً » ا ه منه .
وهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك .
وأما القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن ، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة .
الوجه الرابع : هو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه ، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر ، فهو مشكل لا يكاد يصدق ، إلا مع تخصيص ، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس ، وغيره ، ظاهرة البعد والسقوط لأنه على القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى عيسى فلا إشكال ولا خفاء ، ولا حاجة إلى تأويل ، ولا إلى تخصيص .
وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جداً بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب ، كالذي يسقط من عال إلى أسفل ، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل والذي يموت في نومه ونحو ذلك ، فلا يصدق هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع ، من أهل الكتاب ، إلا إذا ادعى إخراجهم منه بمخصص


ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة .
وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال إن رأسه يتكلم ، بالإيمان بعيسى ، وأن الذي يهوي من عال إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي ، لا يخفى بعده وسقوطه ، وأنه لا دليل ألبتة عليه كما ترى .
وبهذا كله تعلم ، أن الضمير في قوله { قَبْلَ مَوْتِهِ } [ النساء : 159 ] ، راجع إلى عيسى ، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } [ الزخرف : 61 ] كما ذكرنا .
فإن قيل : إن كثيراً ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي ، ويعتقدون مثل ما يعتقده ، ضلال اليهود والنصارى ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : { إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } [ آل عمران : 55 ] وقوله { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 117 ] .
فالجواب أنه لا دلالة في إحدى الآيتين ألبتة على أن عيسى قد توفي فعلاً .
أما قوله تعالى : { مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه :
الأول : أن قوله : { مُتَوَفِّيكَ } حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملاً غير ناقص ، والعرب تقول : توفي فلان دينه يتوفاه فهو متوف له إذا قبضه وحازه إليه كاملاً من غير نقص .
فمعنى : { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] في الوضع اللغوي أي حائزك إلي ، كاملاً بروحك وجسمك .
ولكن الحقيقة العرفية خصصت التوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب .
الأول : هو تقديم الحقيقة العرفية ، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها .
وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد ، وهو المقرر في أصول مالك إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل .
وإلى تقديم الحقيقة العرفية ، على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعودي بقوله :
واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب
المذهب الثاني : هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال ، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع .
وهذا القول مذهب أبي حنيفة رحمه الله .
المذهب الثالث : أنه لا تقدم العرفية على اللغوية ، ولا اللغوية على العرفية ، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما ، فيحكم على اللفظ بأنه مجمل ، لاحتمال هذه واحتمال تلك .
وهذا اختيار ابن السبكي ، ومن وافقه ، وإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار في مراقي السعودي بقوله :
ومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإجمال فيه مرتضى
نكمل

أم خديجة و بلال
09-03-2018, 12:08 PM
وإذا علمت هذا ، فاعلم أنه على المذهب الأول ، الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية ، على العرفية ، فإن قوله تعالى :
{ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه ، ولا يدل على الموت أصلاً ، كما أن توفي الغريم لدينه لا يدل على موت دينه .
وأما على المذهب الثاني : وهو تقديم الحقيقة العرفية على اللغوية ، فإن لفظ التوفي حينئذ ، يدل في الجملة على الموت .
ولكن سترى إن شاء الله ، أنه وإن دل على ذلك في الجملة ، لا يدل على أن عيسى قد توفي فعلاً .
وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب ، في سورة آل عمران ، وجه عدم دلالة الآية ، على موت عيسى فعلاً ، أعني قوله تعالى : { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] فقلنا ما نصه :
والجواب عن هذا ، من ثلاثة أوجه :
الأول أن قوله تعالى : { مُتَوَفِّيكَ } لا يدل على تعيين الوقت ، ولا يدل على كونه قد مضى وهو متوفيه قطعاً يوماً ما ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى .
وأما عطفه ورافعك إلى ، على قوله : متوفيك ، فلا دليل فيه لإطباق جمهور أهل اللسان العربي ، على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع ، وإنما تقتضي مطلق التشريك .
وقد ادعى السيرافي والسهيلي ، إجماع النحاة على ذلك ، وعزاه الأكثر للمحققين وهو الحق خلافاً لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه .
وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء وقال لم أجده في كتابه .
وقال ولي الدين : أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي .
حكاه عنه صاحب الضياء اللامع .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « أبدأ بما بدأ الله به » يعني الصفا لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب .
وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع .
وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية ، فكذلك لا تقتضي المنع منهما .
فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول كقوله : { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله } [ البقرة : 158 ] الآية بدليل الحديث المتقدم .
وقد يكون المعطوف بها مرتباً كقول حسان :
*هجوت محمداً وأجبت عنه* ... على رواية الواو .
وقد يراد بها المعية كقوله : { فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة } [ العنكبوت : 15 ] وقوله { وَجُمِعَ الشمس والقمر } [ القيامة : 9 ] ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل .
الوجه الثاني : أن معنى { مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] أي منيمك ورافعك إلي ، أي في تلك النومة .
وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى : { وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } [ الأنعام : 60 ] ، وقوله : { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } [ الزمر : 42 ] ، وعزى ابن كثير هذا القول للأكثرين ، واستدل بالآيتين المذكورتين .
الوجه الثالث : أن متوفيك ، اسم فاعل توفاه ، إذا قبضه وحازه إليه ، ومنه قولهم : توفي فلان دينه إذا قبضه إليه ، فيكون معنى متوفيك على هذا ، قابضك منهم إلي حياً ، وهذا القول هو اختيار ابن جرير .

أم خديجة و بلال
09-03-2018, 12:09 PM
وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أياماً ، ثم أحياه فلا معول عليهن إذ لا دليل عليه . ا ه . من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
وقد قدمنا في هذا البحث أن دلالة قوله تعالى : { مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] على موت عيسى فعلاً ، منفية من أربعة أوجه ، وقد ذكرنا منها ثلاثة ، من غير تنظيم ، أولها أن { مُتَوَفِّيكَ } حقيقة لغوية في أخذه بروحه وجسمه .
الثاني : أن { مُتَوَفِّيكَ } وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي ، ولا دليل في الآية على أن ذلك التوفي قد وقع ومضى ، بل السنة المتواترة والقرآن دالان على خلاف ذلك ، كما أوضحنا في هذا المبحث .
الثالث : أنه توفي نوم ، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه الوفاة ، فكل من النوم والموت ، يصدق عليه اسم التوفي ، وهما مشتركان في الاستعمال العرفي .
فهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
وذكرنا الأول منها بانفراده لنبين مذاهب الأصوليين فيه .
وأما قوله تعالى : { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } [ المائدة : 117 ] الآية ، فدلالته على أن عيسى مات ، منفية من وجهين :
الأول منهما : أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة ، ولا شك أن يموت قبل يوم القيامة ، فإخباره يوم القيامة بموته ، لا يدل على أنه الآن قد مات كما لا يخفى .
والثاني منهما : أن ظاهر الآية أنه توفي رَفْعٌ وقَبْضٌ للروح والجسد ، لا توفي موت .
وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم في قوله : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } [ المائدة : 117 ] الآية ، تدل على ذلك لأنه لو كان توفي موت ، لقال ما دمت حياً ، فلما توفيتني لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة كما في قوله : { وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً } [ مريم : 31 ] .
أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم ، إلى موضع آخر .
وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية ، وهذا لا إشكال فيه .
وأما الوجه الرابع ، من الأوجه المذكورة سابقاً ، أن الذين زعموا أن عيسى قد مات ، قالوا إنه لا سبب لذلك الموت ، إلا أن اليهود قتلوه وصلبوه ، فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره ، تحققنا أنه لم يمت أصلاً ، وذلك السبب الذي زعموه ، منفي يقيناً بلا شك ، لأن الله جل وعلا قال : { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ } [ النساء : 157 ] . وقال تعالى : { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 157 - 158 ] .
وضمير رفعه ظاهر في رفع الجسم والروح معاً كما لا يخفى .
وقد بين الله جل وعلا مستند اليهود في اعتقادهم أنهم قتلوه ، بأن الله ألقى شبهه على إنسان آخر فصار من يراه يعتقد اعتقاداً جازماً أنه عيسى .

أم خديجة و بلال
09-03-2018, 12:10 PM
فرآه اليهود لما أجمعوا على قتل عيسى فاعتقدوا لأجل ذلك الشبه الذي ألقي عليه اعتقاداً جازماً أنه عيسى فقتلوه .
فهم يعتقدون صدقهم ، في أنهم قتلوه وصلبوه ، ولكن العليم اللطيف الخبير ، أوحى إلى نبيه ، في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه .
فمحمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوه عندهم علم من الله بأمر عيسى لم يكن عند اليهود ولا النصارى كما أوضحه تعالى بقوله { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 157 - 158 ] .
والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما دال على أن عيسى حي ، وأنه سينزل في آخر الزمان ، وأن نزوله من علامات الساعة ، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره ، واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي شبه بعيسى هو عيسى .
وقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك ، وأن قوله { مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] لا يدل على موته فعلاً .
وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه ، وأنه على المقرر في الأصول ، في المذاهب الثلاثة التي ذكرنا عنهم ، ولا إشكال في أنه لم يمت فعلاً .
أما على القول بتقديم الحقيقة اللغوية فالأمر واضح ، لأن الآية على ذلك لا تدل على الموت .
وأما على القول بالإجمال ، فالمقرر في الأصول أن المحمل ، لا يحمل على واحد من معنييه ، ولا معانيه بل يطلب بيان المراد منه ، بدليل منفصل .
وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي .
وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية ، فإنه يجاب عنه من أوجه :
الأول : أن التوفي محمول على النوم ، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة العرفية .
والثاني : أنا وإن سلمنا أنه توفي موت ، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع فعلاً .
الثالث : أن القول المذكور بتقديم العرفية ، محله فيما إذا لم يوجد دليل صارف ، عن إرادة العرفية اللغوية ، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية قولاً واحداً .
وقد قدمنا مراراً دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا دون العرفية .
واعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية ، محله فيما إذا لم تتناس اللغوية بالكلية ، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية ، وجب المصير إلى العرفية إجماعاً ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله :
أجمع إن حقيقة تمات ... على التقدم له الإثبات
فمن حلف ليأكلن من هذه النخلة ، فمقتضى الحقيقة اللغوية ، أنه لا يبر يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها .
ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها


والمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعاً ، لأن اللغوية في مثل هذا أميتت بالكلية .
فلا يقصد عاقل ألبتة الأكل من جذع النخلة .
أما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى : { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } [ آل عمران : 55 ] فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى .
ومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازاً لغوياً ، وأن اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية ، ومجازاً عرفياً .
وقد قدمنا مراراً أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق في رسالتنا المسماة « منع جواز المجاز ، في المنزل للتعبد والإعجاز » .
فاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة ، وأن عيسى لم يمت وأنه ينزل في آخر الزمان وإنما قلنا إن قوله تعالى هنا : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } أي علامة ودليل على قرب مجيئها ، لأن وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا الله .
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك مراراً .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } أي لا تشكن في قيام الساعة فإنه لا شك فيه .
وقد قدمنا الآيات الموضحة له مراراً كقوله تعالى : { وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } [ الحج : 7 ] . وقوله : { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } [ الشورى : 7 ] . وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ الأنعام : 12 ] وقوله { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران : 25 ] إلى غير ذلك من الآيات .